أحمد بن محمد مسكويه الرازي
437
تجارب الأمم
ذلك كلَّم عيسى بن موسى في تقديم ابنه المهدىّ عليه برقيق الكلام ولطيفه فقال عيسى : - « يا أمير المؤمنين ، فكيف بالأيمان والمواثيق التي علىّ وعلى المسلمين لي من الطلاق والعتق وغير ذلك من مؤكّد الأيمان ، ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين . » فلمّا رأى أبو جعفر ذلك باعده بعض المباعدة ، وقصّر به في منزلته ، فكان يؤذن لعيسى بعد جماعة ، ويجلس دون منزلته ، وكان مرتبته عن يمين أبى جعفر . ثمّ يخلَّط عليه في أمثال هذه الأشياء ، وعيسى صامت لا يتشكّى ولا يستغيث [ 1 ] . ثمّ صار إلى أغلظ من ذلك فكان يكون في المجلس ومعه بعض ولده فيسمع الحفر في أصل الحائط ويخاف أن يخرّ عليه ، وينتثر عليه التراب وربّما [ 462 ] نظر إلى الخشبة من سقف المجلس الذي يجلس فيه قد حفر عن أحد طرفيها فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه ، فيأمر من معه من ولده بالتحوّل ويقوم هو إلى الصلاة ، ثمّ يأتيه الإذن فيقوم بهيئته والتراب عليه لا ينفضه ، فإذا رآه المنصور قال له : - « يا عيسى ، ما يدخل علىّ أحد بمثل هيأتك من كثرة الغبار والتراب عليك ، أفكلّ هذا من الشارع ؟ » فيقول : - « أحسب ذاك يا أمير المؤمنين . » وإنّما يكلَّمه بذلك يستطمعه أن يشكو إليه شيئا ، فلا يشكو . وكان المنصور قد أرسل إليه في بعض أحواله بعض ما يتلفه من السموم ، أو دسّه إليه بحضرته ، فنهض من المجلس ، فقال له المنصور :
--> [ 1 ] . في الطبري ( 10 : 332 ) : لا يسعتب . في حواشيه : لا يستغيث ( كالأصل ) .